ابن أبي الحديد
92
شرح نهج البلاغة
قال الرضي رحمه الله : وأقول : إنه لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام . لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام . وكفى به قاطعا لعلائق الآمال ، وقادحا زناد الاتعاظ والانزجار . ومن أعجبه قوله ع : " ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق ، والسبقة الجنة والغاية النار " ، فإن فيه مع فخامة اللفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التمثيل وواقع التشبيه ، سرا عجيبا ، ومعنى لطيفا ، وهو قوله ع " والسبقة الجنة والغاية النار " ، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل السبقة النار كما قال : " السبقة الجنة " لان الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنة ، وليس هذا المعنى موجودا في النار ، نعوذ بالله منها ! فلم يجز أن يقول : " والسبقة النار " بل قال : " والغاية النار " ، لان الغاية قد ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء إليها ، ومن يسره ذلك فصلح أن يعبر بها عن الامرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمال ، قال الله تعالى : " فتمتعوا فإن مصيركم إلى النار " ، ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : فإن " سبقتكم ( بسكون الباء ) إلى النار " . فتأمل ذلك فباطنه عجيب ، وغوره بعيد لطيف ، وكذلك أكثر كلامه ع . وفي بعض النسخ ، وقد جاء في رواية أخرى " والسبقة الجنة ( 1 ) " بضم السين ، والسبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق ، إذا سبق من مال أو عرض ، والمعنيان متقاربان ، لان ذلك لا يكون جزاء على فعل الامر المذموم ، وإنما يكون جزاء على فعل الامر المحمود * * *
--> ( 1 ) وهي رواية مخطوطة النهج .